ابو البركات

13

الكتاب المعتبر في الحكمة

وكذلك الخفة والثقل والفوق والأسفل وما بعدها من الصفات فإنهم لم يقولوا « 1 » ان الهيولى شئ مجرد العين عن هذه الصفات وانما قالوا إنه مجرد المفهوم عنها كما قال المهندسون ان الخط طول لا عرض له والسطح طول وعرض لا عمق له وما أرادوا ان في الوجود طولا لا عرض له ولا ان الطول مجرد عن العرض فإنه لا يكون الطول إلا مع العرض وصفة للعريض لا محالة وانما أرادوا ان اعتبار معنى الطولية لمجرد مفهومه لا يلزمه عرض معين ولو لزم الطول عرض بعينه لكان كل طويل ذلك عرضه بعينه وكذلك لو لزم الطويل العريض عمق بعينه فمهما نقصت أو زادت « 2 » ( في عرض الطويل لا تتغير طوليته وكذلك مهما زدت أو نقصت - « 3 » ) في عمق الطويل العريض فان الصفات تجردها الحكماء في الأذهان عن الموصوفات ثم يصفونها بها سلبا أو ايجابا فذلك هو العلم واما ان وراء هذه الهيولى التي هي الجسم هيولى أخرى فلا . وقد أوردوا لذلك حججا ودققوا فيه نظر أو جوابه وقد حصل في موضعه من النظر في الأصول الكلية يصلح ان ينظر فيه بعد استيفاء النظر في هذا العلم فان أصول العلوم يتسلمها المتعلمون كما قيل مقبولة من المعلمين ويؤخرون النظر فيها والمناظرة عليها إلى العلم الذي هو أعلى من ذلك العلم فان الأذهان تترقى في علومها من الأقرب إليها إلى الا بعد منها مستعينة بمعرفة ذلك الأقرب إليها على معرفة ذلك الابعد منها على ضربين من الاستعانة في المعرفة والعلم اما في المعرفة فان المعرفة الأولى تقوى بها النفس على المعرفة الثانية بالتدريج كما يقوى البصر بالنظر إلى الشئ الأقل نورا على النظر إلى ما هو أنور منه حتى يستطيع النظر إلى شعاع الشمس ثم إلى نورها ثم إليها فان الأشياء التي هي في الطبع اجلى هي عندنا اخفى لأنها من فطرتنا ابعد وأعلى واما في العلم فلان علمنا بالشيء يتم من جهة العلم بأسبابه فأول العلم بأول الأسباب التي هي المبادى وكمال العلم بآخر الأسباب التي هي الغايات وستعلم من الوجود ان تلك الأوائل هي تلك

--> ( 1 ) صف - فإنهم يقولون ( 2 ) صف - زدت أو نقصت ( 3 ) ما بين القوسين ليس في سع